تخيل أن جهازك أو هاتفك مثل “بيت” فيه ملفاتك وصورك وحساباتك وأحيانًا أسرار عملك. البرمجيات الخبيثة هي مثل “لص” أو “متطفّل” يدخل هذا البيت بطرق مختلفة: قد يسرق، يتجسس، يعبث، أو يقفل الأبواب ويطلب منك فدية لفتحها. ومع توسع الاعتماد على التقنية، لم تعد البرمجيات الخبيثة مشكلة تخص “الكمبيوتر فقط”، بل أصبحت تهديدًا يمس الأفراد والشركات وحتى الخدمات العامة.
البرمجيات الخبيثة (Malware) مصطلح عام يشمل أي برنامج أو كود تم تصميمه بهدف إلحاق الضرر أو التجسس أو التحكم غير المصرح به. وهي لا تُستخدم دائمًا لتخريب الجهاز مباشرة؛ أحيانًا تعمل بهدوء شديد، تجمع بياناتك، وتبقى مخفية لأسابيع أو أشهر.
هذا المقال يشرح مفهوم البرمجيات الخبيثة، أهم أنواعها (فيروسات، ديدان، تروجان، رانسوموير، سبايوير…)، وكيف تنتقل عبر البريد والتحميلات وUSB أو عبر استغلال الثغرات، مع علامات الإصابة وطرق الوقاية.
أولًا: ما هي البرمجيات الخبيثة؟
Malware اختصار لعبارة Malicious Software أي “برنامج خبيث”.
وهي تشمل أي برمجية هدفها واحد أو أكثر من التالي:
-
سرقة البيانات (كلمات مرور، صور، ملفات، معلومات مالية)
-
التجسس والمراقبة
-
تعطيل الأنظمة أو إفساد الملفات
-
التحكم بالجهاز عن بُعد
-
ابتزاز الضحية (مثل برامج الفدية)
-
استخدام جهاز الضحية كجزء من شبكة هجوم (Botnet)
الفرق المهم هنا أن “Malware” ليست نوعًا واحدًا، بل عائلة كبيرة من الأنواع، وبعضها يتداخل: قد يجمع البرنامج بين التجسس والابتزاز والتحكم في آن واحد.
ثانيًا: لماذا البرمجيات الخبيثة خطيرة؟
لأن تأثيرها لا يقتصر على “جهاز تعطل” فقط، بل قد يؤدي إلى:
-
خسارة ملفات مهمة (صور، مستندات عمل، مشاريع)
-
سرقة حساباتك (بريد، بنوك، منصات عمل)
-
ابتزاز مالي (دفع فدية لاستعادة الملفات)
-
تعطيل أعمال مؤسسة كاملة (توقف أنظمة ومبيعات وخدمات)
-
تسريب بيانات العملاء مما يسبب أزمة ثقة وتبعات قانونية
-
استخدام جهازك للهجوم على الآخرين دون أن تعرف
ثالثًا: الأنواع الرئيسية للبرمجيات الخبيثة
1) الفيروسات (Viruses)
الفيروس هو برنامج خبيث يرتبط عادةً بملف أو برنامج آخر، ويحتاج غالبًا إلى “تشغيل” لكي يبدأ عمله.
الفكرة الأساسية: يلتصق بشيء ثم ينتشر عندما تنتقل الملفات أو تُشغَّل.
سماته الشائعة:
-
ينتشر عبر ملفات مرفقة أو برامج
-
قد يسبب تلف ملفات أو تغييرها
-
أحيانًا يبطئ الجهاز أو يسبب أعطالًا متكررة
تشبيه بسيط: الفيروس مثل عدوى تحتاج “لمصافحة” حتى تنتقل.
2) الديدان (Worms)
الديدان تشبه الفيروسات من حيث الانتشار، لكنها أخطر من ناحية السرعة لأنها تستطيع الانتقال من تلقاء نفسها عبر الشبكات بدون تدخل كبير من المستخدم.
كيف تعمل؟
-
تستغل ثغرة في نظام أو شبكة
-
تنتشر تلقائيًا إلى أجهزة أخرى متصلة
-
قد تسبب ضغطًا كبيرًا على الشبكة وتعطيل خدمات
تشبيه بسيط: الدودة مثل مرض ينتقل في الهواء بسرعة دون ملامسة مباشرة.
3) أحصنة طروادة (Trojans)
التروجان سُمّي بهذا الاسم لأنه يشبه “حصان طروادة” في القصة الشهيرة: شيء يبدو مفيدًا أو طبيعيًا لكنه يخفي بداخله ضررًا.
أمثلة شائعة:
-
برنامج “مكافح فيروسات” مزيف
-
لعبة معدلة (Cracked) مع ملف خبيث
-
تطبيق “زيادة متابعين” أو “تهكير” (غالبًا خبيث)
-
ملف PDF أو Word يبدو عاديًا لكنه ينفذ كودًا ضارًا
التروجان لا ينتشر تلقائيًا عادة مثل الديدان، بل يعتمد على خداع المستخدم لتنزيله وتشغيله.
4) برامج الفدية (Ransomware)
هذا النوع من أخطر الأنواع وأكثرها انتشارًا في المؤسسات.
يقوم بـ:
-
تشفير ملفات الجهاز أو خوادم الشركة
-
ثم يطلب فدية مقابل فك التشفير
ماذا يحدث عادة؟
-
فجأة لا تستطيع فتح ملفاتك
-
تظهر رسالة تطالب بالدفع بعملة رقمية
-
أحيانًا يهدد بتسريب البيانات إذا لم تدفع (Double Extortion)
مهم: دفع الفدية لا يضمن استعادة الملفات دائمًا، وقد يشجع المهاجمين على تكرار الهجوم.
5) برامج التجسس (Spyware)
هدفها هو المراقبة وجمع البيانات بهدوء، مثل:
-
المواقع التي تزورها
-
ما تكتبه على لوحة المفاتيح
-
صور الشاشة
-
رسائل أو ملفات
-
بيانات دخول للحسابات
قد تُثبت ضمن برامج مجانية مشبوهة أو إضافات متصفح، وقد تكون جزءًا من تروجان.
6) مسجلات لوحة المفاتيح (Keyloggers)
هي نوع خاص من التجسس يقوم بتسجيل ما تكتبه: كلمات المرور، الرسائل، أرقام بطاقات…
تكون خطيرة جدًا لأنك قد لا تشعر بها، وتجد حساباتك تُسرق واحدًا تلو الآخر.
7) الروتكِت (Rootkits)
برمجيات تهدف إلى إخفاء وجود البرمجيات الخبيثة ومنح المهاجم صلاحيات عالية في الجهاز.
وجود الروتكِت يجعل اكتشاف الإصابة أصعب، وقد يتطلب أحيانًا إعادة تهيئة النظام بالكامل.
8) البوت نت (Botnets)
في هذا السيناريو، يصبح جهازك “جنديًا” ضمن شبكة أجهزة مخترقة تُدار عن بعد لتنفيذ:
-
هجمات حجب خدمة (DDoS)
-
إرسال رسائل سبام
-
نشر برمجيات خبيثة أخرى
الضحية هنا قد لا يشعر إلا ببطء في الجهاز أو ارتفاع استهلاك الإنترنت.
9) البرامج الإعلانية الخبيثة (Adware / Malvertising)
قد لا تبدو “خطيرة” في البداية، لكنها:
-
تعرض إعلانات مزعجة
-
تغيّر صفحة المتصفح
-
توجّهك لمواقع مشبوهة
-
وقد تكون بوابة لتثبيت برمجيات أخطر
رابعًا: كيف تنتشر البرمجيات الخبيثة؟ (طرق الانتقال)
البرمجيات الخبيثة لا “تطير” وحدها عادةً. هي تحتاج قناة دخول، وأشهر القنوات:
1) البريد الإلكتروني والمرفقات
-
ملفات Word/Excel مع ماكرو
-
ملفات PDF مزيفة
-
روابط تقود لصفحات تنزيل
-
فواتير وعروض أسعار مزيفة
لماذا البريد خطير؟
لأنه قناة رسمية في الشركات، ويستغل الثقة.
2) التحميلات والبرامج المقرصنة
-
نسخ مكركة من برامج مشهورة
-
أدوات “تهكير” أو “تسريع”
-
ألعاب معدلة
-
تطبيقات غير رسمية
هذه من أكثر طرق العدوى شيوعًا لأن الضحية يثبت البرنامج بيده ويمنحه صلاحيات.
3) USB والأقراص الخارجية
قد تنتقل العدوى عبر:
-
ملف “Autorun” أو ملفات مخفية
-
نقل ملفات مصابة بين أجهزة
-
استخدام USB مجهول
في بيئات الشركات، USB قد ينقل العدوى من جهاز لمئات الأجهزة.
4) استغلال الثغرات الأمنية (Vulnerabilities)
أحيانًا لا تحتاج أن تضغط شيئًا. يكفي أن يكون لديك نظام أو متصفح أو إضافة قديمة بها ثغرة، فيستغلها المهاجم.
لهذا التحديثات ليست “كمالية”، بل جزء من الأمن.
5) المواقع المصابة والإعلانات الخبيثة
قد تزور موقعًا يبدو عاديًا، لكن فيه:
-
سكربت خبيث
-
إعلان مزروع (Malvertising)
-
تنزيل تلقائي (Drive-by Download) في بعض الحالات
6) الشبكات العامة والاتصالات غير الآمنة
الشبكات العامة (مثل واي فاي مفتوح) قد تزيد احتمالات:
-
اعتراض بيانات
-
توجيه المستخدم لصفحات مزيفة
-
استغلال إعدادات ضعيفة
7) التطبيقات على الجوال (خاصة غير الرسمية)
تنزيل تطبيق من خارج المتجر الرسمي، أو منح تطبيق صلاحيات كبيرة بلا سبب (رسائل، وصول كامل، Accessibility) قد يفتح الباب لبرمجيات خبيثة خصوصًا التجسس والاحتيال.
خامسًا: علامات الإصابة بالبرمجيات الخبيثة
ليست كل إصابة واضحة، لكن هناك إشارات متكررة:
-
بطء مفاجئ في الجهاز أو ارتفاع حرارة غير معتاد
-
استهلاك إنترنت عالي دون سبب
-
إعلانات ونوافذ منبثقة كثيرة
-
تغير صفحة البداية في المتصفح أو محرك البحث
-
برامج جديدة لم تثبتها
-
تعطّل مضاد الفيروسات أو عدم القدرة على تحديثه
-
ملفات لا تُفتح أو امتدادات غريبة (خصوصًا في برامج الفدية)
-
رسائل بريد تُرسل من حسابك دون علمك
وجود علامة واحدة لا يعني إصابة مؤكدة، لكن تكرار العلامات يستحق فحصًا.
سادسًا: كيف تحمي نفسك كفرد؟
هذه خطوات عملية وواقعية:
-
حدّث نظامك وتطبيقاتك دائمًا
التحديثات تسد ثغرات تُستغل بشكل واسع. -
حمّل البرامج من مصادر رسمية
ابتعد عن النسخ المكركة ومواقع التحميل غير الموثوقة. -
استخدم مضاد فيروسات موثوق وفعّل الحماية
ولا تعتمد على “الخبرة الشخصية” فقط. -
لا تفتح مرفقات مجهولة
خصوصًا ملفات Office غير المتوقعة. -
افحص USB قبل فتحه
ولا تستخدم USB مجهول المصدر. -
فعّل النسخ الاحتياطي
خصوصًا للملفات المهمة. النسخ الاحتياطي هو أقوى سلاح ضد الفدية. -
استخدم حساب مستخدم عادي بدل المدير
الصلاحيات الأقل تقلل الضرر إذا حدثت إصابة.
سابعًا: كيف تحمي مؤسسة أو شركة؟
في الشركات، الضرر أكبر لأن العدوى قد تنتشر بسرعة:
-
سياسة تحديثات وإدارة تصحيحات (Patch Management)
التزام بتحديث الأنظمة والتطبيقات وفق جدول واضح. -
فلترة البريد الإلكتروني
منع أنواع ملفات خطرة، وفحص الروابط والمرفقات. -
تقليل الصلاحيات (Least Privilege)
الموظف يحصل على أقل صلاحيات يحتاجها فقط. -
عزل الشبكات وتقسيمها (Segmentation)
حتى لو أصيب جهاز، لا ينتشر بسهولة. -
حلول حماية متقدمة للأجهزة (EDR)
تكشف السلوكيات المشبوهة وليس فقط ملفات معروفة. -
نسخ احتياطي + خطة تعافي
نسخ معزول (Offline/Immutable) وتجارب استرجاع دورية. -
توعية الموظفين
لأن كثير من العدوى تبدأ برسالة أو رابط. -
مراقبة السجلات والاستجابة للحوادث
وجود فريق أو جهة مسؤولة عن التحقيق والتعامل السريع يقلل الخسائر.
خلاصة
البرمجيات الخبيثة ليست نوعًا واحدًا، بل عائلة من التهديدات تشمل: الفيروسات، الديدان، التروجان، برامج الفدية، برامج التجسس، الكيلوغر، الروتكِت، وشبكات البوت نت. وتنتشر عبر قنوات متعددة مثل البريد الإلكتروني، التحميلات المشبوهة، USB، واستغلال الثغرات، وحتى الإعلانات والمواقع المصابة.
وأفضل حماية واقعية تقوم على ثلاث ركائز:
-
وقاية تقنية (تحديثات، حماية، نسخ احتياطي)
-
سلوك واعٍ (لا تفتح مرفقات وروابط غير موثوقة)
-
سياسات مؤسسية (عزل، صلاحيات أقل، تدريب، استجابة للحوادث)
اترك تعليقاً