تُعد السمنة عند النساء حالة صحية معقّدة وليست مجرد “زيادة بسيطة في الوزن”. في أغلب الحالات، تحدث السمنة عندما يستمر اختلال ميزان الطاقة لفترة طويلة: أي أن السعرات التي تدخل الجسم من الطعام والشراب تكون أكثر من السعرات التي يحرقها الجسم عبر الحركة والعمليات الحيوية. لكن هذا التفسير وحده لا يكفي، لأن السمنة غالبًا متعددة العوامل: تتداخل فيها البيئة، ونمط الحياة، والهرمونات، والوراثة، والأدوية، والنوم، والتوتر، وحتى ظروف المجتمع والعمل.
في هذا الموضوع ستجدين شرحًا واضحًا لأهم أسباب السمنة عند النساء ولماذا قد تزداد صعوبة فقدان الوزن في بعض المراحل مثل الحمل أو بعد الولادة أو مع تكيس المبايض أو قرب سن انقطاع الطمث.
1) نمط الغذاء الحديث: ليس “كمية” فقط بل نوعية أيضًا
من أكثر الأسباب شيوعًا لزيادة الوزن عند النساء (والرجال) هو الاعتماد المتكرر على:
-
الأطعمة عالية السعرات وقليلة الإشباع (الوجبات السريعة، الأطعمة المعالجة).
-
المشروبات السكرية والعصائر المحلاة.
-
أحجام حصص كبيرة وتناول الطعام المتأخر.
تُشير جهات صحية مثل NHS إلى أن عوامل الحمية ونمط الحياة من الأسباب الأساسية لحدوث السمنة.
والفكرة ليست “الحرمان”، بل أن بعض الأطعمة ترفع السعرات بسرعة كبيرة قبل أن تعطي شعورًا بالشبع.
2) قلة الحركة والجلوس الطويل
حتى لو كان الطعام “معقولًا”، فإن نمط الحياة قليل الحركة (مكتب، سيارة، شاشة، قلة مشي) يساهم في تراكم الدهون مع الوقت. منظمة الصحة العالمية تربط السمنة بشكل مباشر بعدم التوازن بين المدخول من الطاقة والصرف عبر النشاط البدني.
كما يوضح NHLBI أن قلة النشاط مع كثرة وقت الشاشة ترتبط بارتفاع مؤشر كتلة الجسم، وأن النوم غير الكافي أيضًا يلعب دورًا.
3) النوم غير الكافي واضطراب النوم
قلة النوم لا تعني فقط “تعب”، بل قد تؤثر على الشهية والهرمونات والاختيارات الغذائية. تربط جهات صحية كـ CDC وNHLBI بين قلة النوم وارتفاع خطر السمنة.
وعندما يقل النوم، قد يزيد الجوع والرغبة في الأطعمة العالية بالسكر والدهون، وقد تقل الطاقة للحركة والرياضة.
4) التوتر والضغط النفسي والأكل العاطفي
التوتر المزمن قد يدفع بعض النساء إلى:
-
الأكل دون جوع (أكل عاطفي).
-
اضطراب النوم.
-
تفضيل الأطعمة “المريحة” عالية السعرات.
CDC يذكر أن الضغط النفسي من عوامل خطر السمنة، إلى جانب السلوكيات الصحية والأدوية والحالات الصحية والجينات والبيئة.
والنتيجة تكون حلقة متعبة: توتر → أكل أكثر/نوم أقل → زيادة وزن → توتر أكبر.
5) عوامل هرمونية وأنثوية تؤثر على الوزن
هنا يدخل جانب مهم جدًا: التغيرات الهرمونية عند النساء قد ترفع القابلية لزيادة الوزن أو تجعل فقدانه أصعب، خصوصًا إن ترافق ذلك مع قلة الحركة أو نوم ضعيف أو توتر.
أ) متلازمة تكيس المبايض (PCOS)
تكيس المبايض لا يعني بالضرورة أنه “يسبب السمنة وحده”، لكنه مرتبط بمشكلات مثل مقاومة الإنسولين واضطراب الهرمونات، وقد يجعل التحكم بالوزن أصعب لدى بعض النساء. NHS يوضح ارتباط الحالة بمستويات غير طبيعية من الهرمونات، ومنها ارتفاع الإنسولين ومقاومة الإنسولين.
ب) الحمل وما بعد الولادة
الحمل فترة طبيعية يحدث فيها زيادة وزن. المشكلة تظهر عندما:
-
تستمر العادات الغذائية العالية السعرات بعد الولادة.
-
يقل النوم بشدة.
-
تقل الحركة فترة طويلة.
هذه العوامل قد تجعل الوزن “يثبت” أو يزيد بدل أن ينخفض تدريجيًا.
ج) الاقتراب من سن انقطاع الطمث (Perimenopause/Menopause)
في هذه المرحلة قد تتغير طريقة توزيع الدهون (خاصة حول البطن) ويقل معدل الحرق تدريجيًا مع العمر، خصوصًا إذا انخفضت الكتلة العضلية أو زاد الجلوس. (التغيرات تختلف من امرأة لأخرى، وهي ليست “حكمًا” بالسمنة، لكنها عامل قابل للتأثير عبر نمط الحياة.)
6) أدوية قد تسبب زيادة الوزن
منظمة الصحة العالمية تؤكد أن هناك حالات تكون فيها أسباب رئيسية محددة للسمنة، ومنها الأدوية ضمن عوامل أخرى.
وCDC أيضًا يذكر “الحالات الصحية والأدوية” ضمن عوامل الخطر.
أمثلة شائعة (بحسب الحالة الطبية وتقييم الطبيب) قد تشمل: بعض أدوية الاكتئاب، بعض علاجات الصرع، أدوية الحساسية من نوع معيّن، بعض أدوية السكري، وبعض الهرمونات أو الكورتيزون عند الاستخدام الطويل.
المهم: لا توقفي دواءً بسبب الوزن دون استشارة؛ غالبًا توجد بدائل أو خطط تخفيف أثره.
7) حالات صحية/غدية قد ترفع الوزن أو تعطل نزوله
السمنة قد ترتبط أحيانًا بحالات طبية تؤثر على الأيض أو الشهية أو الحركة. WHO تذكر أن في “مجموعة فرعية” من المرضى قد توجد أسباب محددة مثل الأمراض أو قلة الحركة أو إجراءات علاجية معينة.
كما يوضح MSD Manual أن السمنة تتأثر بمزيج من الجينات والهرمونات والسلوك والبيئة.
من الحالات التي يناقشها الأطباء عادةً عند زيادة وزن غير مفسرة: قصور الغدة الدرقية، متلازمة كوشينغ، اضطرابات النوم الشديدة، وغيرها—لكنها ليست السبب الأكثر شيوعًا مقارنةً بنمط الحياة والبيئة، لذلك يُقيمها الطبيب حسب الأعراض والتحاليل.
8) الوراثة: قابلية أعلى وليست “قدرًا”
وجود تاريخ عائلي للسمنة قد يعني قابلية أعلى لزيادة الوزن، عبر اختلافات في الشهية، ومعدل الحرق، وتخزين الدهون. CDC يذكر الجينات ضمن العوامل المؤثرة.
ومنظمة الصحة العالمية تصف السمنة بأنها غالبًا متعددة العوامل وتشمل عوامل بيئية ونفسية-اجتماعية وجينية.
لكن الوراثة لا تمنع التحسن؛ هي فقط تعني أن الخطة تحتاج واقعية واستمرارية.
9) البيئة والمجتمع: الوصول للطعام الصحي وفرص الحركة
أحيانًا لا تكون المشكلة في “الإرادة”، بل في الواقع:
-
توفر أطعمة عالية السعرات ورخيصة وسهلة أكثر من الطعام الصحي.
-
قلة أماكن آمنة للمشي.
-
ضغط العمل والوقت.
-
التسويق الغذائي القوي.
NHLBI يوضح أن عوامل البيئة (المدرسة، العمل، الحي) وممارسات صناعة الغذاء والمعايير الاجتماعية يمكن أن تؤثر على خطر السمنة.
CDC أيضًا يشير إلى عوامل البيئة وإمكانية الوصول لطعام ميسور وأماكن للنشاط والرعاية الصحية.
10) لماذا “السمنة عند النساء” قد تكون أكثر تعقيدًا أحيانًا؟
لأن المرأة قد تمر بتغيرات جسمية وحياتية متتابعة:
-
حمل وولادة ورعاية أطفال (نوم أقل + وقت أقل للحركة).
-
تغيرات هرمونية (PCOS أو مرحلة ما قبل انقطاع الطمث).
-
ضغوط اجتماعية ونفسية قد تزيد الأكل العاطفي.
وهذا لا يعني أن فقدان الوزن مستحيل، لكنه يعني أن “خطة واحدة للجميع” لا تنجح دائمًا.
علامات تستحق الانتباه (متى أراجع الطبيب؟)
راجعي طبيب/طبيبة إذا كان هناك:
-
زيادة وزن سريعة وغير مفهومة خلال فترة قصيرة.
-
تعب شديد، تساقط شعر، برودة، إمساك (قد ترتبط بالغدة).
-
اضطراب شديد بالدورة مع علامات تكيس.
-
شخير شديد/اختناق أثناء النوم (قد يرتبط باضطراب نوم).
-
أدوية جديدة تزامنت مع زيادة وزن واضحة.
هذه ليست تشخيصات، لكنها إشارات تجعل التقييم الطبي مهمًا.
خلاصة موسوعية
أسباب السمنة عند النساء غالبًا خليط من:
-
غذاء عالي السعرات + قلة حركة.
-
قلة نوم وتوتر مزمن.
-
عوامل هرمونية مثل تكيس المبايض، وتغيرات مراحل العمر.
-
أدوية وحالات صحية محددة عند بعض الحالات.
-
وراثة + بيئة + ظروف اجتماعية.
أضف تعليقًا